ابو القاسم عبد الكريم القشيري

79

لطائف الإشارات

الأوقات ظروف لما يحصل فيها من الأفعال والأحوال ؛ فالظروف من الزمان متجانسة ، وإنما الاختلاف راجع إلى أعيان ما يحصل فيها ؛ فليالى أهل الوصال سادات الليالي ، وليالي أهل الفراق أسوأ الليالي ؛ فأهل القرب لياليهم قصار وكذلك أيامهم ، وأرباب الفراق لياليهم طوال وكذلك جميع أوقاتهم في ليلهم ونهارهم ، يقول قائلهم : والليالي إذا نأيت طوال * وأراها إذا دنوت قصار وقال آخر : والليل أطول وقت حين أفقدها * والليل أقصر وقت حين ألقاها وقال ثالث : يطول اليوم لا ألقاك فيه * وحول نلتقى فيه - قصير قوله جل ذكره : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 74 إلى 75 ] وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 74 ) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 75 ) كلا . . لا حجّة لهم ، ولا جواب يعذرهم ، ولا شفيع يرحمهم ، ولا ناصر يعينهم . اشتهرت ضلالتهم ، واتضحت للكافة جهالتهم ؛ فدام بهم عذاب الأبد ، وحاق بهم وبال السّرمد . قوله جل ذكره : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 76 ] إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ( 76 ) جاء في القصص أنه كان ابن عمّ موسى ، وكان من أعبد بني إسرائيل ، وكان قد اعتزل الناس ، وانفرد في صومعته يتعبّد ، فتصوّر له إبليس في صورة بشر ، وأخذ في الظاهر يتعبّد معه في صومعته حتى تعجّب قارون من كثرة عبادته ، فقال له يوما : لسنا في شئ ؛ عيوننا